علوم وتقنية

الخميس - 14 فبراير 2019 - الساعة 12:08 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / متابعات

أُعلنت حالة الطوارئ في عدد من الولايات الأمريكية، والفلبين، ومدغشقر الشهر الماضي بعد تفشي مرض الحصبة. وقال المسؤولون إن أكثر المصابين من الأطفال الذين لم يُلقحوا ضد المرض، الأمر الذي أعاد الجدل بين المؤسسات الصحية من جهة، والحملات الرافضة للتطعيمات من جهة أخرى، حول جدوى اللقاحات والأخطار المرتبطة بها.

لكن المناهضين للقاحات يرون أن استخدام "تفشي المرض" للدلالة على أهمية التطعيم فيه مغالطة. وبحسب لاري كوك، مؤسس حملة "أوقفوا التطعيم الإجباري" في الولايات المتحدة، فإن الأمراض المعدية لها دورة في المجتمعات، ومن الطبيعي أن تظهر بشكل جماعي من وقت لآخر "وحينها يكتسب الأطفال مناعة من أمهاتهم عن طريق الرضاعة الطبيعية وغيرها من العوامل. وينتهي الأمر باكتساب مناعة جماعية طبيعية."

وقال كوك، في حوار مع بي بي سي، إن رفض التطعيم "ليس موقفا بقدر ما هو أسلوب حياة، تسعى من خلاله الأسر إلى إكساب أطفالهم عناصر طبيعية تمكن أجسامهم من مواجهة المرض". والهدف ليس منع الأطفال من اكتساب العدوى، وإنما التأكد من أن أجسامهم قوية بشكلٍ كافٍ (عن طريق الظروف الصحية الملائمة والتغذية السليمة) لتحمل الأعراض واكتساب مناعة طبيعية تحمي أجسامهم ربما إلى الأبد".

مصدر الصورةGETTY IMAGESImage captionالحملات المناهضة للقاح ترى أن الأطفال يكتسبون مناعة طبيعية بالتعرض للمرضتأثير الحملات الرافضة

وفي مطلع عام 2019، أدرجت منظمة الصحة العالمية رفض التطعيم ضمن أكثر عشرة أخطار تهدد الصحة العالمية، بسبب الزخم الذي اكتسبته الحملات المناهضة له، والإحصائيات التي كشفت عودة أمراض وبائية كانت قد أوشكت على الاختفاء.

لكن ثمة رأي آخر يرى أن الأمر أكثر تعقيدا من تأثير الحملات المناهضة للقاحات. وبحسب روبن ناندي، رئيس برامج التحصين في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، فإن عودة بعض الأمراض للانتشار ترتبط بعدة عوامل، ليس من بينها بالضرورة تأثير الحملات الرافضة للتطعيم.
ودعوات رفض التطعيم والطب البديل ليست ظاهرة حديثة، ودائما ما انتشرت حتى في أوج نجاح الحملات الطبية. لكن ما يجب الالتفات إليه حقا هو العزوف غير الطوعي عن التطعيم، سواء لتعذر توفير الخدمات الطبية، أو غياب التوعية والمعلومات الكافية، أو ضعف التواصل مع المجتمعات المهددة.

وأرجع ناندي سبب تفشي الحصبة مؤخرا في مدغشقر، على سبيل المثال، إلى غياب اللقاحات والخدمات الطبية المناسبة. "وفي بعض المناطق (في مدغشقر وغيرها)، تسير الأمهات لفترات قد تبلغ ثلاث ساعات للوصول إلى عيادات التطعيم. وإذا لم تتوفر لهن الخدمة، قد لا يعدن مجددا، أو قد يتجاوزن عن بعض التطعيمات".

وتتعدد أسباب الرفض الطوعي للتطعيم ضد الأمراض التي يمكن القضاء عليها باللقاحات. فبجانب الاعتقاد بخطورتها أو عدم جدواها، ترفض بعض المجتمعات آخذ اللقاح لاعتبارات دينية. كما تروج الحكومات في بعض البلدان أن التطعيم مؤامرة غربية وفخ يجب تجنبه.

وتنتشر المجتمعات الرافضة للقاحات (على اختلاف مرجعيتها) في كل مكان، حتى البلدان التي يكون فيها التطعيم إجباريا. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، يحصل البعض على "إعفاء لأسباب دينية" من التطعيم، الأمر الذي يساعد على تفشي المرض في بعض المناطق من وقت لآخر.

ويقول ناندي لـ بي بي سي، إن الفيروسات دائما ما تبحث عن الطفل المعرض للإصابة، "وتفشي الأمراض بهذا الشكل من وقت لآخر يُعتبر إنذارا لنا بضرورة تطوير سياسات التحصين".

غياب المعلومات

وثمة طريقتان لتلقي لقاح الحصبة، الأولى عن طريق الحقن بفيروس نشط للحصبة وحدها بحيث يكتسب الجسم مناعة. والثانية عن طريق الحقن بتطعيم ثلاثي ضد الحصبة، والحصبة الألمانية، والنُكاف (ويُعرف اختصارا بـ MMR). وتعتبر الجهات الطبية أن هذه الطريقة محاكاة طبيعية للمرض، تتم تحت إشراف طبي لاحتواء الأعراض، وتنتهي بتكوين الجسم مناعة طبيعية تجنبه الإصابة بالمرض.

لكن كوك شدد على أن اللقاحات ليست وسيلة لبناء المناعة وتقويتها كما يُروَج لها، وإنما "مواد شديدة السمية" تعمل على تحفيز الجهاز المناعي بشكل مفتعل ليزيد من إنتاج الأجسام المضادة. "وبدلا من تقوية الجهاز المناعي نفسه بشكل طبيعي، يعتمد نجاح اللقاح على زيادة أعداد الأجسام المضادة التي يفرزها الجسم. لذلك، تحتاج معظم اللقاحات لجرعة تحفيزية ثانية".

وأضاف أنه مع الوقت، لن يستطيع جسم الطفل تطوير رد فعل مناعي متكامل لأي عدوى (لاعتماد الجسم على الأجسام المضادة التي تحفزها اللقاحات)، ما يجعله أكثر عرضة للأمراض.

وفي المقابل، أكد ناندي أن هذه النظريات تم تفنيدها وإثبات جدوى وسلامة اللقاحات علميا، كونها صورة مصغرة من المرض. وتكمن المشكلة هنا في غياب العرض المبسط للمعلومات "فعدم شرح الأعراض الجانبية الطبيعية لتطعيم ما، يدفع الأفراد لرفض فكرة التطعيم ككل والاعتقاد بعدم جدواها".

وأضاف أن "ما يُعرف بالطرق الطبيعية" لاكتساب المناعة وعلاج الأمراض بعيدا عن اللقاحات والأدوية تعتبر "مغامرة بالغة الخطورة"، يتعرض الطفل فيها لمخاطر لا يمكن احتواؤها أو تغييرها.

مصدر الصورةGETTY IMAGESImage captionمنظمتا الصحة الدولية واليونيسيف أطلقتا حملة في اليمن هذا الشهر لتطعيم الأطفال ضد الحصبة، تستهدف 13 مليون طفلاالعالم العربي "ضحية الصراع"

وكانت الدول العربية قد شهدت تقدما كبيرا في القضاء على الأمراض المعدية، نتيجة التوسع في البرامج الطبية. لكن الصراعات السياسية قضت على الكثير من هذه الجهود.

ففي سوريا على سبيل المثال، نجحت البلاد قبل الحرب في بناء نظام صحي قوي، وحققت تقدما كبيراً، وتراوحت نسب التطعيمات بين 80-90 في المئة. لكن الحرب ألحقت الدمار بالخدمات الصحية، فانخفضت النسب إلى النصف،" حسبما قال ناندي.

ولنا في اليمن مثال آخر على تراجع النظام الصحي، ما تسبب في ارتفاع حالات الإصابة بالدفتريا والحصبة، بجانب تفشي وباء الكوليرا الذي اعتبره العلماء "الأسوأ في التاريخ"، إذ أثر على مليون شخص وتسبب في 2,770 حالة وفاة.

وتمتد سلسلة التراجعات إلى دول أخرى في المنطقة، مثل العراق وليبيا.

وأشار ناندي كذلك إلى عوامل سياسية واجتماعية أخرى، من بينها غياب الثقة في النظام الصحي، والخطاب السياسي لبعض الحكومات والمجموعات اليمينية المتشددة التي تعتبر البرامج الصحية العالمية مؤامرة من الغرب.

مستقبل اللقاحات

كانت منظمة الصحة العالمية قد احتفت عام 2016 بانخفاض الوفيات الناجمة عن مرض الحصبة عالميا لأقل من مئة ألف حالة لأول مرة في تاريخ المرض، إذ بلغت آنذاك 90 ألف حالة وفاة. لكن الإنجاز سريعا ما تراجع، فزادت أعداد الوفيات في العام التالي (2017) بنسبة 20 في المئة، لتصل إلى 110 آلاف حالة وفاة.

واستمرت الزيادة في عام 2018، إذ تسببت الحصبة في وفاة 111 ألف شخص حول العالم. وهنا تبرز تساؤلات حول مستقبل الأمراض القابلة للعلاج باللقاحات، وإن كان العالم سيشهد ردة في القضاء عليها.

ويرى مناهضو اللقاحات أنه سريعا ما سيتضح عدم جدوى التطعيم، بدليل إصابة الأطفال الملقحين.

وبحسب كوك، تخفي الجهات الطبية الحقائق حول اللقاحات، "فالمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية لم تُجر أبداً دراسة طويلة الأمد عن التبعات الصحية لتناول أو رفض اللقاح، لأنهم إذا فعلوا ونًشرت النتائج، سيتوقف الآباء حول العالم عن تطعيم أبنائهم".

وثمة أمور ترى الحملات المناهضة للتطعيمات أنها أكثر أهمية من تناول اللقاح، على رأسها مواجهة سوء التغذية، ومد شبكات الصرف الصحي، وتقنيات تبريد وحفظ الطعام، وتحسين الظروف المعيشية للمجتمعات الفقيرة.

ويرى ناندي أنه يصعب التكهن بتغيير المواقف المناهضة للتطعيمات، ومن ثم يجب التعامل معها كأمر واقع وعدم اختزال المشاكل التي تواجه برامج التحصين في انتشار هذا النوع من الخطاب، "فواجبنا تطوير الخطاب التوعوي وعرض الحقائق على المجتمعات".

لكنه يوافق على وجود حاجة إلى إجراء إصلاحات معيشية تدعم برامج التحصين المختلفة، واصفاً اللقاح بأنه "تدخل محدود يحتاج إلى دعم، ومهدد بالانهيار حال غياب الإصلاحات الأخرى".

وأضاف أن المنظمات الدولية ماضية في برامجها الوقائية. وأن الخطر الأكبر هو غياب الاستثمار في برامج التحصين، رغم احتياجها لإنفاق دائم لصيانة المعدات والتوسع في توفير العيادات والخدمات للأعداد المتزايدة من الأطفال المحتاجين للتطعيمات.