مقالات وكتابات


الإثنين - 11 فبراير 2019 - الساعة 06:47 م

كُتب بواسطة : عبدالله الرويشان - ارشيف الكاتب



قامت ثورات الامس فتغيرت مقدمة البلاد من مؤخرتها ، وسقطت رؤوس العباد ، وشاخت شباب الشعب .
كنا نتصور بأننا سنغير النظام وسريعاً ما ستعود المياة إلى مجاريها .. ولكننا لم نتوقع لواقع اليوم القادم الذي جاء فارتجفت لجورهُ جبالنا الجامحة ، وتجمدت تحته أجسامنا جراء جريمة ثورتهم المجيفة .
ثورة كانت بالفعل سبباً في تغيير النظام .. لكنها أغرقتنا بأعاصير الصراع ، وصدمتنا بصدى الصرخة التي أسخطتنا عند صفوف جماعة الجن الصامدة .
ثورة كنا نصرخ حينها في فضاء الانتفاضات ففاضت علينا بفيضانات الاضطهاد ..
ثورة كانت قد رضيت عنها ضمائرنا .. ولكننا اليوم وجدناها راضخة لضراوة الاوضاع الراهنة التي جعلت من وجودنا إنقراضنا ومن أنظمتنا ظلماً وظلاما ..

كم كنا نتفاخر بالحكمة اليمانية ولكننا أضعناها عندما حكمنا على من كان يحكمنا بالرحيل دون عودة .. ولهذا وجدنا عواقب أفعالنا قد أعقبت علينا بنواحاً ونحيباً ونزوحاً وشتاتاً ورحيلاً عن الوطن ،، وكلنا حسرة وضيقاً وكآبة وندامة أظنها ستمتد إلى يوم القيامة ..

لم نحتكم للحوار آنذاك ، ولم نقدر قيمة الصندوق فجائت السنين التي أرهقت أكتافنا ، وتعبت منها أكفنا ونحن نحمل صناديق الموتى ، ونواري جثامين القتلى وندفن الاكفان وبداخلها خيرة شبابنا ..

لم نحتكم للصندوق فصنعنا الحناك الممقوت ، ودعمنا الحراكات التي أحرقت الزرع والضرع ،، ومن بعد ذلك ضاعت البلاد بين آيادي أقواماً نصفها مبلودة ملبوقة ، والاخرى منها مبتورة منبوذة .

واليوم وبعد سبع سنوات من العجاف والجحيم وجدت نفسي مع ذاتها تتسائل :
أي توبة ستكفر سيئات مسيراتكم وسخافتها !
أي توبة ستكفر سوءة سلميتكم وسذاجتها !
أي سطوراً ستصيغها نفسياتكم الاسيفة المتحسرة بعد كل هذه السنين العسيرة وأعوامها الجاحدة بجورها وجوعها وأوجاعها !
هذا هو الفرق بين ثورات التاريخ المشرف .. وبين ثورات التاريخ المتخم .
هذه هي ثورات تجار التباب بتواتر تياراتهم المتراخية المتسببة في تأخير الوطن وأوطاناً تربعت عليها عاصفة الربيع العربي الذي لا خير فيه على الإطلاق .

هنا كان نخيطهم .. لكنهم جعلوه عارياً من التخطيط
هنا كانت الحرية .. لكنهم حولوها إلى حيرة وحيّمرة
هنا كانت الحكمة اليمانية .. لكنهم حولوها إلى حقولاً أنتجت الحقارة ، وحفرة أحرقت حقائب الحكومات .
هنا كانت منصة أصوات صارخون الامس قبل أن تصفدها وتصفيها صرخة أسواط اليوم .
هنا كانت الجامعة المنتجة لكوادرنا القيّمة .. لكنهم حولوها إلى ساحة أبادت دروب الدولة وأدارتها نحو التدهور والدبور وأودت بالوطن والمواطن نحو هاوية السقوط المدوي .
رحل النظام فرحل الامان بالحالمة وبالمثل رحل الامن والاستقرار بالباسلة وتحولت سعادت البلاد إلى تعاسة وبلوى وإبتلاء ..
وفي الختام فقد رحل النظام ورحل الشعب من بعده بين مهاجراً مشردا ، ومغترباً غارقا ، ومحاصراً صارخا، وعازباً أعزلا ، وطفلاً مغتصبا ، وأرامل على أرصفة الشوارع تتراما ، وموظفون بلا رواتب صاروا شبه موتى .